مع اقتراب موعد 31 أكتوبر، تتجه الأنظار إلى أروقة الأمم المتحدة، حيث تتواصل التحركات الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء، وسط مؤشرات على تحول في أسلوب التعاطي المغربي مع مسار المفاوضات، وانتقاله من الترقب إلى تكثيف المبادرات السياسية والحقوقية، في وقت تظل فيه العلاقات مع إسبانيا محكومة بتوازنات دقيقة وحسابات داخلية وإقليمية معقدة.
من الصمت الدبلوماسي إلى المبادرة السياسية
يلفت الانتباه في المشهد الدبلوماسي المرتبط بقضية الصحراء ما يبدو أنه تغير في إيقاع التحرك المغربي خلال المرحلة التي سبقت الموعد المرتقب لمجلس الأمن.
فبعد فترة من التحفظ أعقبت تداول معطيات منسوبة إلى مسودة تقرير المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بشأن جولات تفاوضية قيل إنها احتضنتها واشنطن ومدريد، برز خطاب دبلوماسي مغربي أكثر وضوحاً في الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً للمسار السياسي.
ويكتسب هذا التحول أهميته من طبيعة المرحلة التي يمر بها النزاع، خصوصاً في ضوء القراءة المغربية لقرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي تقدمه الرباط باعتباره محطة مفصلية في مسار البحث عن تسوية سياسية.
ولم يعد النقاش، وفق هذا التصور، مقتصراً على إعادة عرض المواقف التقليدية للأطراف، بل بات يتجه نحو تحديد الإطار الذي يمكن أن تجري داخله المفاوضات، والحدود السياسية والمؤسساتية لأي تسوية محتملة.
الخطاب الملكي ورسائل الصمت عن الصحراء
من أبرز الملاحظات التي يثيرها هذا السياق غياب تناول مباشر ومفصل لقضية الصحراء في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية، مقابل حضور الإشارة العامة إلى المكاسب الدبلوماسية التي حققتها المملكة.
ويمكن قراءة هذا الغياب من زاويتين: الأولى أن الرباط قد تكون فضلت ترك إدارة المرحلة التفاوضية للمؤسسات الدبلوماسية المختصة، والثانية أن عدم تخصيص حيز للملف قد يعكس رغبة في عدم استباق التطورات الجارية داخل الأمم المتحدة.
غير أن الصمت عن قضية معينة لا يكفي، في حد ذاته، لاستخلاص موقف سياسي نهائي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف تتداخل فيه الاعتبارات الدبلوماسية والقانونية والاستراتيجية.
وفي المقابل، تبرز العلاقات المغربية الإسبانية باعتبارها أحد الملفات التي تستحق المتابعة، بالنظر إلى تشابك المصالح بين البلدين وحساسية قضايا الهجرة والسيادة والتعاون الأمني.
إسبانيا.. شراكة استراتيجية تحت ضغط الحسابات الداخلية
رغم التقارب الذي عرفته العلاقات بين الرباط ومدريد، فإن عدداً من الملفات يظل قابلاً لإثارة التباين بين الطرفين، وفي مقدمتها الهجرة وتدبير الحدود وبعض المبادرات التشريعية والسياسية المرتبطة بقضية الصحراء.
وتطرح النقاشات المتعلقة بتسوية الوضعية القانونية للصحراويين في إسبانيا، إلى جانب الزيارات الرسمية إلى سبتة، أسئلة بشأن كيفية التوفيق بين المواقف الداخلية الإسبانية ومتطلبات الشراكة مع المغرب.
وتزداد هذه المعادلة تعقيداً بفعل التوازنات الحزبية داخل إسبانيا، حيث لا تتحرك الحكومة بمعزل عن مواقف شركائها السياسيين أو الضغوط البرلمانية والانتخابية.
ومن ثم، فإن أي اختلاف بين البلدين لا يمكن فصله عن السياق السياسي الإسباني، ولا يعني بالضرورة وجود توجه نحو أزمة دبلوماسية جديدة.
فالرباط ومدريد ترتبطان بمصالح اقتصادية وأمنية وبشرية واسعة، تجعل إدارة الخلافات جزءاً أساسياً من استمرار الشراكة، حتى عندما تتباين المواقف بشأن بعض القضايا الحساسة.
نيويورك وجنيف.. مساران دبلوماسيان متكاملان
تقوم القراءة المطروحة للتحركات المغربية على وجود مسارين متوازيين، أحدهما سياسي داخل الأمم المتحدة بنيويورك، والثاني حقوقي وإنساني في جنيف.
فعلى المستوى السياسي، يبرز دور الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، في الدفاع عن تفسير الرباط لقرارات مجلس الأمن، والتأكيد على مركزية مقترح الحكم الذاتي في أي مفاوضات مستقبلية.
وتستند هذه المقاربة إلى اعتبار المبادرة المغربية إطاراً عملياً للبحث عن تسوية، مع التشديد على ضرورة انخراط الأطراف المعنية في المفاوضات دون شروط مسبقة.
كما تسعى الدبلوماسية المغربية إلى إبراز دور الجزائر في مسار التسوية، باعتبارها طرفاً إقليمياً رئيسياً، في مقابل موقف جزائري يؤكد دعم حق تقرير المصير ويقدم النزاع بوصفه قضية تصفية استعمار.
أما في جنيف، فيبرز دور الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، عمر زنيبر، في إثارة الأبعاد الإنسانية والحقوقية المرتبطة بسكان مخيمات تندوف.
ويعكس الجمع بين المسارين توجهاً إلى معالجة الملف من زاويتين مختلفتين: مستقبل التسوية السياسية من جهة، والوضع الإنساني للاجئين والنازحين الموجودين في المخيمات من جهة ثانية.
مخيمات تندوف.. البعد الإنساني في قلب الخلاف السياسي
يشكل مستقبل سكان مخيمات تندوف أحد أكثر الجوانب تعقيداً في النزاع، بالنظر إلى استمرار وضعهم منذ عقود، وارتباطه المباشر بالخلاف حول التسوية النهائية.
وتستند المقاربة الإنسانية التي يعرضها المغرب إلى ضرورة بحث حلول مستدامة، تشمل العودة الطوعية أو الاندماج المحلي أو إعادة التوطين في بلد ثالث، وفق المعايير المعتمدة دولياً وبما يحترم الاختيار الحر للأشخاص المعنيين.
غير أن تنزيل هذه الخيارات يظل مرتبطاً بجملة من الشروط القانونية والإنسانية والسياسية، ولا يمكن اختزاله في قرار أحادي أو في اعتبار المساعدات الإنسانية وسيلة للضغط على سكان المخيمات.
فالحاجة إلى إيجاد حلول دائمة لا تلغي الالتزام بحماية الأشخاص الذين ما زالوا يحتاجون إلى المساعدة، كما أن أي انتقال نحو تسوية مستدامة يفترض احترام إرادة المعنيين وضمان سلامتهم وحقوقهم الأساسية.
وفي هذا السياق، يصبح الملف الإنساني جزءاً من النقاش السياسي الأوسع، دون أن يفقد طبيعته المستقلة بوصفه قضية تتعلق بحقوق الأفراد وحمايتهم.
الحكم الذاتي وحدود التوافق الممكن
تتمحور إحدى أبرز نقاط الخلاف حول طبيعة التسوية التي يمكن أن تنتج عن المفاوضات.
فالمغرب يتمسك بمقترح الحكم الذاتي تحت سيادته، بما يفتح النقاش حول توزيع الاختصاصات بين المؤسسات المركزية والهيئات الجهوية، وطبيعة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية التي يمكن أن تتمتع بها المنطقة.
في المقابل، تتمسك جبهة البوليساريو بمبدأ تقرير المصير، وترى أن أي تسوية ينبغي أن تحظى بقبول الشعب الصحراوي وفق تصورها لهذا الحق، وهو موقف تدعمه الجزائر.
وتتجاوز هذه الاختلافات مجرد التفاصيل التقنية لتنظيم الحكم الذاتي، لأنها ترتبط بالسؤال الأساسي المتعلق بالسيادة وبالأساس القانوني والسياسي للتسوية.
كما يظل موضوع الاستفتاء أو آليات التعبير عن إرادة السكان من القضايا الخلافية التي تحتاج إلى توافق سياسي وقانوني، سواء تعلق الأمر بطبيعة الاقتراع أو الهيئة الناخبة أو النتائج المترتبة عنه.
ومن هنا، فإن الانتقال من إعلان الاستعداد للتفاوض إلى صياغة اتفاق قابل للتنفيذ يتطلب معالجة قضايا جوهرية، وليس الاكتفاء بتقريب المواقف حول المصطلحات العامة.
بين التحرك الأممي وحسابات الجوار
تكشف التطورات المحيطة بملف الصحراء عن تداخل ثلاثة مستويات رئيسية: مسار التفاوض داخل الأمم المتحدة، والرهانات الإنسانية المرتبطة بمخيمات تندوف، والعلاقات الإقليمية والدولية التي تؤثر في مواقف الأطراف.
وبالنسبة للمغرب، يمثل توسيع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي ركيزة أساسية في تحركه الدبلوماسي، بينما تظل قدرة الأطراف على تحويل المواقف المعلنة إلى تفاهمات عملية التحدي الأكبر أمام المسار السياسي.
أما العلاقات مع إسبانيا، فإن أهميتها لا تنبع فقط من موقع مدريد في التوازنات الأوروبية، بل أيضاً من طبيعة المصالح المشتركة وحساسية القضايا التي يمكن أن تعيد التوتر إلى الواجهة.
ولذلك، فإن مستقبل هذا الملف لن يتحدد حصراً بما يصدر عن مجلس الأمن، وإنما كذلك بمدى استعداد الأطراف للتفاوض، وقدرتها على التعامل مع الخلافات القائمة، وتطور مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين.
وفي المحصلة، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الدبلوماسية على الانتقال من إدارة الخلاف إلى إنتاج تسوية سياسية قابلة للاستمرار. وبين نيويورك وجنيف ومدريد، تظل الأسئلة مفتوحة حول حدود التوافق الممكن، ومدى قدرة التحركات الحالية على إحداث تقدم ملموس في نزاع طال أمده.
اترك تعليقا:
